رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
278
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
هذا الكتاب إلى ما لعلّه تبتصر به أولوا الألباب ، وسنبسط الكلام في كتاب مرآة العقول إن شاء اللَّه تعالى . « 1 » انتهى كلام الفاضل المحقّق صاحب البحار . قوله : ( مَنْ أرَاكَ قُدْرَتَهُ فِي نَفْسِكَ نُشُوءَكَ وَلَمْ تَكُنْ ) إلى آخره . [ ح 2 / 216 ] قد بيّنّا في أوّل كتاب العقل في تفسير قوله تعالى : « وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ » « 2 » أنّ العلم الذي هو مصحّح الإضافة إلى المعرفة إنّما هو العلم بوجه ما ، وهو في الآية الحاصل لكلّ عاقل ، وذلك من وجهين : أحدهما : أنّه لا يزال يرى نفسه غرضاً لعروض حال بعد حال ملائمةً وغير ملائمة ، ولا يستطيع الثبات والقرار والامتناع ممّا يعتور عليه من الحوادث يوماً فيوماً ، بل ساعةً فساعة . والعقل مجبول على الحكم بأنّ الفعل لابدّ له من فاعل ، كما نبّه عليه الصادق عليه السلام في الحديث الأوّل حيث قال : « وجود الأفاعيل دلّ على أنّ صانعاً صنعها » . « 3 » وقال أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة : « وهل يكون بناءٌ من غير بان ، أو جنايةٌ من غير جان ؟ » . « 4 » فالعلم الجبلّي الاضطراري حاصل لكلّ أحد بأنّ لتلك الأحوال مورداً ، فيتذلّل له تذلّلًا طبيعيّاً تسخيريّاً ، وإن تجبّر وتعظّم فإنّما ذلك تكلّف منه لمصلحة الوقت ، والقلب خاضع ذليل ، اللّهمّ إلّاأن تأخذه نشأة الترف والطرب ، أو يخطف بصره سنا برق الغضب ، على أنّه مهما اتّفق ذلك لم يمتدّ بمقتضى الحكمة أكثرَ من زمان يسير حتّى يفيق ويتنبّه بتذلّله التسخيري لربّه المليك القادر القاهر ، ولو لم يكن إلّا الاضطرار إلى الخلاء في كلّ يوم ، واستشمام الرائحة الخبيثة المنتنة لكفى . وإلى هذا الوجه من العلم أشار عليه السلام في هذا الحديث ، واعتبر بقول ابن أبي العوجاء واعترافه في آخر الخبر بأنّه عليه السلام : ( ما زالَ يُعَدِّدُ عَلَيَّ قُدرتَهُ التي في نفسي التي لا أدْفَعُها حتّى ظننتُ أنّه سَيَظْهَرُ فيما بيني وبينَه ) .
--> ( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 52 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 163 ، ومواضع اخر . ( 3 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 80 ، ح 5 . ( 4 ) . نهج البلاغة ، ص 271 ، الخطبة 185 .